الجاحظ

163

البخلاء

بدانق ، وطبخه كله سكباجا . فأكل وعياله ، يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر ، وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم . فإذا كان يوم السبت ثرّدوا « 1 » خبزهم في المرق . فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل ؛ فإذا كان يوم الاثنين أكلوا الجزر ، فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع ، فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان ، فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم . فلهذا كان يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال . أهل الجزيرة قال أصحابنا : نزلنا بناس من أهل الجزيرة ، وإذا هم في بلاد باردة ، وإذا حطبهم شرّ حطب ، وإذا الأرض كلَّها غابة واحدة طرفاء « 2 » . فقلنا : « ما في الأرض أكرم من الطرفاء » . قالوا : « هو كريم ، ومن كرمه نفّر » . قالوا : فقلنا : « وما الذي تفرّون منه » ؟ قالوا : « دخان الطرفاء يهضم الطعام ، وعيالنا كثير » . أهل المازح والمديبر وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور : منها أن خشكنانهم « 3 » من دقيق شعير ، وحشوه - الذي يكون فيه الجوز والسكر ، من دقيق خشكار . وأهل المازح لا يعرفون بالبخل ، ولكنهم أسوأ الناس حالا ، فتقديرهم على قدر عيشهم . وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر ، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب « 4 » . فأما من يضيّق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق ، فليس سبيله سبيل القوم .

--> « 1 » ثردوا : جعلوه ثريدة ، وهي من المآكل لقد مر ذكرها . « 2 » طرفاء : كثيفة الأشجار . « 3 » خشكنانهم : شيء يؤكل كالأقراص أو لبسكوت أو الكعك . « 4 » أهل الجدب : أهل القحط ، حيث لا زراعة . أهل الصحراء .